فخر الدين الرازي
120
تفسير الرازي
كان يخاف من فرعون وعسكره . وأما ههنا فإن محمداً عليه السلام لما كان مبعوثاً إلى جميع أهل الدنيا ، كان كل واحد من الخلق ، كفرعون بالنسبة إليه ، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيراً لطيفاً ، وهو أنه قدم على تلك السورة ، هذه السورة فإن قوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه أحدها : أن قوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * أي الخير الكثير في الدنيا والدين ، فيكون ذلك وعداً من الله إياه بالنصرة والحفظ ، وهو كقوله : * ( يا أيها النبي حسبك الله وقوله : * ( والله يعصمك من الناس ) * ) * وقوله : * ( إلا ينصروه فقد نصره الله ) * ومن كان الله تعالى ضامناً لحفظه ، فإنه لا يخشى أحداً وثانيها : أنه تعالى لما قال : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات الآخرة ، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة ، والخلف في كلام الله تعالى محال ، فوجب في حكمة الله تعالى إبقاؤه في دار الدنيا إلى حيث يصل إليه تلك الخيرات ، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه ، ولا يقهرونه ، ولا يصل إليه مكرهم بل يصير أمره كل يوم في الازدياد والقوة وثالثها : أنه عليه السلام لما كفروا وزيف أديانهم ودعاهم إلى الإيمان اجتمعوا عنده ، وقالوا : إن كنت تفعل هذا طلباً للمال فنعطيك من المال ما تصير به أغنى الناس ، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا ، وإن كان مطلوبك الرياسة فنحن نجعلك رئيساً على أنفسنا ، فقال الله تعالى : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * أي لما أعطاك خالق السماوات والأرض خيرات الدنيا والآخرة ، فلا تغتر لما لهم ومراعاتهم ورابعها : أن قوله تعالى : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * يفيد أن الله تعالى تكلم معه لا بواسطة ، فهذا يقوم مقام قوله : * ( وكلم الله موسى تكليماً ) * بل هذا أشرف لأن المولى إذا شافه عبده بالتزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافهه في غير هذا المعنى ، بل يفيده قوة في القلب ويزيل الجبن عن النفس ، فثبت أن مخاطبة الله إياه بقوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس ، فقدم هذه السورة على سورة : * ( قل يا أيها الكافرون ) * حتى يمكنه الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم ، وإظهار البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمري ، فانظر كيف أنجزت لك الوعد ، وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع ، إن أهل الدنيا يدخلون في دين الله أفواجاً ، ثم إنه لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة ، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن ، وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصوراً على الدنيا ، أو يكون طالباً للآخرة ، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان ، ثم يكون مصيره إلى النار ، وهو المراد من سورة تبت ، وأما طالب الآخرة فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات ، وقد ثبت في العلوم العقلية أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين : منهم من عرف الصانع ، ثم توسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته ، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى ، ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور . ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التي هي أشرف الطريقين ، فبدأ بذكر صفات